حبيب الله الهاشمي الخوئي
405
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الاسائة في ذلك للطبيب بل للمريض حيث لم يقبل منه . ولئن كان الانسان مع ترقبه الموت كلّ ساعة لا يمتنع عن المعاصي فانّه لو وثق بطول البقاء كان أحرى أن يخرج إلى الكباير الفظيعة فترقّب الموت على كلّ حال خير له من الثقة بالبقاء . وإن كان صنف من النّاس ينهون عنه ولا يتّعظون به فقد يتّعظ به صنف آخر منهم وينزعون عن المعاصي ويؤثرون العمل الصالح ويجودون بالأموال والعقايل النفيسة والصّدقة على الفقراء والمساكين فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة ليضيع أولئك حظَّهم . وبالجملة فقد وضح ، واتضح كلّ الوضوح أنّ سترمدد الأعمار عن الخلق من جلايل النعم وأعظم ما منّ اللَّه سبحانه به عليهم . ومثله نعمة أخرى هي أيضا من أسبغ الآلاء وأسنى النّعماء من حيث كونها موجبة للتّجافي عن دار الغرور جاذبة إلى دار السّرور باعثة على السّعادة الأبديّة موقعة في العناية السّرمديّة ( و ) هي أنّه سبحانه ( خلف لكم عبرا ) تعتبرون بها وأبقى آثارا تتذكَّرون منها ( من آثار الماضين قبلكم ) من الأهلين والأقربين والأولين والآخرين وممّن كان أطول منكم أعمارا وأشدّ بطشا وأعمر ديارا ( من مستمتع خلاقهم ومستفسح خناقهم ) أي الدّنيا التي كانت محلّ استمتاعهم بخلاقهم وانتفاعهم بحظوظهم وانصبائهم ومحلّ الفسحة لأعناقهم من ضيق حبائل الموت ودار امهالهم من انشاب مخالب الفناء والفوت . فأنتم فيها * ( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا ) * ( 1 ) * ( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * ( 2 ) ( أرهقتهم المنايا دون الآمال وشذّبهم عنها تخرّم الآجال ) اى اخترمتهم أيدي المنون ( 3 ) من قرون بعد
--> ( 1 ) اى كالخوض الذي خاضوه . ( 2 ) اقتباس من الآية في سورة التوبة . ( 3 ) المنون المنية لأنها تقطع المدد قال الفراء المنون مؤنثة وتكون واحدا وجمعا .